عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
352
اللباب في علوم الكتاب
قال المفسّرون : إنّ موسى - عليه الصّلاة والسّلام كان إذا ضرب الحجر ظهر عليه مثل ثدي المرأة فيعرق ثمّ يسيل ، وهما قريبان من الفرق المذكور في النّضح والنّضخ . وقال الرّاغب « 1 » : بجس الماء وانبجس انفجر ، لكنّ الانبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيق ، والانفجار يستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع ؛ ولذلك قال تعالى : فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ، وفي موضع آخر فَانْفَجَرَتْ [ البقرة : 60 ] ، فاستعمل حيث ضاق المخرج اللفظتان . يعني : ففرّق بينهما بالعموم والخصوص ، فكلّ انبجاس انفجار من غير عكس . وقال الهرويّ : يقال : انبجس ، وتبجّس ، وتفجّر ، وتفّتق بمعنى واحد . وفي حديث حذيفة ما منا إلا رجل له آمّة يبجسها الظّفر غير رجلين يعني : عمر وعليّا رضي اللّه عنهما . الآمّة : الشّجّة تبلغ أمّ الرأس ، وهذا مثل يعني أنّ الآمّة منا قد امتلأت صديدا بحيث إنه يقدر على استخراج ما فيها بالظفر من غير احتياج إلى آلة حديد كالمبضع فعبّر عن زلل الإنسان بذلك ، وأنه تفاقم إلى أن صار يشبه شجّة هذه صفتها . قوله : قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ . قال الزمخشريّ « 2 » : « الأناس » اسم جمع غير تكسير نحو : رخال وثناء وتؤام ، وأخوات لها ، ويجوز أن يقال : إن الأصل : الكسر ، والتكسير والضّمة بدل من الكسرة لما أبدلت في نحو : سكارى وغيارى من الفتحة . قال أبو حيان : ولا يجوز ما قال لوجهين ، أحدهما : أنّه لم ينطق ب « إناس » بكسر الهمزة ، فيكون جمع تكسير ، حتّى تكون الضمّة بدلا من الكسرة بخلاف « سكارى » و « غيارى » فإنّ القياس فيه « فعانى » بفتح فاء الكلمة ، وهو مسموع فيهما . والثاني : أنّ « سكارى » و « عجالى » و « غيارى » وما ورد من نحوها ليست الضّمّة فيه بدلا من الفتحة ، بل نصّ سيبويه في كتابه على أنّه جمع تكسير أصل ، كما أنّ « فعالى » جمع تكسير أصل وإن كان لا ينقاس الضّمّ كما ينقاس الفتح . قال سيبويه - في حدّ تكسير الصّفات - : « وقد يكسّرون بعض هذا على « فعالى » وذلك قول بعضهم : عجالى وسكارى » . وقال سيبويه - في الأبنية أيضا - : « ويكون « فعالى » في الاسم نحو : حبارى ، وسماني ، ولبادى ، ولا يكون وصفا إلّا أن يكسّر عليه الواحد للجمع نحو : سكارى وعجالى » . فهذان نصّان من سيبويه على أنّه جمع تكسير ، وإذا كان جمع تكسير أصلا لم يسغ أن يدّعى أن أصله فعالى وأنه أبدلت الحركة فيه . وذهب المبرّد إلى أنه اسم جمع أعني « فعالى » بضم الفاء ، وليس بجمع تكسير . فالزمخشريّ لم يذهب إلى ما ذهب إليه
--> ( 1 ) ينظر : المفردات للراغب 37 . ( 2 ) ينظر : تفسير الكشاف 2 / 169 .